عبد السلام احمد الراغب
21
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم
والظاهر من عبارة الجاحظ ؛ أنه ينحاز إلى الشكل في مفهومه للتصوير مقلّلا من أهمية المعنى ، كما يرى الدكتور إحسان عباس « 10 » . ولكن لما ذا اتجه الجاحظ هذا الاتجاه الشكلي في التصوير مع أنه ليس من الشكليين في التطبيق ؟ قد يكون هدف الجاحظ من عبارته المذكورة الرد على أستاذه النظّام الذي يقول « بالصرفة » في إعجاز القرآن فأراد الجاحظ أن يرجع الإعجاز إلى صياغة القرآن الكريم ونظمه ، وليس لقانون « الصّرفة » . أو لعله يريد أن يرد على النقاد الذين انصرفوا إلى متابعة الشعراء في « سرقات المعاني » ، أو ربما يرجع السبب إلى الجاحظ نفسه الذي لم يكن يعجزه الموضوع أو المعنى ، فأحس بأن المعنى مبذول في الطريق ، وأن القيمة تكمن في الصياغة والتصوير ، فالجاحظ لم يكن يدور في ذهنه أن يفضل الشكل على المضمون في عبارته هذه ، أو أن تصبح هذه العبارة « نظرية » مطبقة عند البلاغيين من بعده ، الذين انصرفوا إلى العناية بالصورة الشكلية على حساب المعاني والأفكار . ثم جاء قدامة بن جعفر ( ت 337 ه ) فاتجه اتجاها شكليا ، في فهم الصورة ، متأثرا بالثقافة اليونانية وفلسفتها في الفصل بين « المادة والهيولى » ، ويقيس الصورة الفنية في الشعر على الصورة في المواد المحسوسة ، مكررا رأي الجاحظ في قياسها على المواد المحسوسة كالخشب والفضة وغيرهما ، وكأن الصورة تعني تشكيل المادة في هيئة معينة يقول : « إن المعاني كلها معرضة للشاعر ، وله أن يتكلم منها فيما أحب وآثر ، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه . وإذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة ، والشعر فيه كالصورة ، كما يوجد في كل صناعة من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصورة فيها ، مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة » « 11 » . فقدامة في هذه العبارة لا يقدم مفهوما جديدا للصورة ، وإنما يكتفي بالتركيز على الفصل بين المادة والصورة . فيعتبر « الصورة » تقابل « المادة » ، وكأنها هيئة خارجية لها أو شكل ، فهو يفصل بين الشكل والمضمون ، ليطلق حرية الشاعر في اختيار المعاني التي يريد ، طالما صحت الأشكال الخارجية للشعر . وهذا الفهم للصورة هو فهم الفلاسفة الذي يفصلون بين
--> ( 10 ) تاريخ النقد الأدبي عند العرب : د . إحسان عباس ص 98 - 99 . ( 11 ) نقد الشعر : قدامة بن جعفر : ص 14 .